سيد محمد طنطاوي

80

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ذكر المفسرون روايات في سبب نزول قوله - تعالى - : * ( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى . وأَعْطى قَلِيلًا وأَكْدى ) * منها : أنها نزلت في الوليد بن المغيرة ، كان قد سمع قراءة النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وجلس إليه ووعظه ، فهمّ أن يدخل في الإسلام . فعاتبه رجل من المشركين ، وقال له : أتترك ملة آبائك ؟ ارجع إلى دينك ، وأثبت عليه ، وأنا أتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة ، لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال . فوافقه الوليد على ذلك ، ورجع عماهم به من الدخول في الإسلام ، وأعطى بعض المال لذلك الرجل ، ثم أمسك عن الباقي ، وبخل به ، فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآيات . . « 1 » . والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( أَفَرَأَيْتَ . . . ) * للتعجيب من حال هذا الإنسان ، الذي أعرض عن الحق ، بعد أن عرف الطريق إليه . أي : أفرأيت - أيها الرسول الكريم - حالا أعجب من حال هذا الإنسان الذي تولى عن الهدى ، ونبذه وراء ظهره ، بعد أن قارب الدخول فيه . * ( وأَعْطى قَلِيلًا ) * من العطاء * ( وأَكْدى ) * أي ثم قطع هذا العطاء . قال صاحب الكشاف : * ( وأَكْدى ) * أي : وقطع عطيته وأمسك ، وأصله إكداء الحافر ، وهو أن تلقاه كديه ، وهي صلابة كالصخر فيمسك عن الحفر . . . « 2 » . والمراد به هنا : ذمه بالبخل والشح ، بعد ذمه بالتولى عن الحق . * ( أَعِنْدَه عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ) * أي : أعند هذا الإنسان الذي أعرض عن الرشد ، علم الغيوب المستترة عن الأعين والنفوس ، فهو وحده يراها ، ويطلع عليها ويعلم أن في إمكان الغير أن يحمل عنه أوزاره وذنوبه يوم القيامة ؟ . كلا ، إنه لا علم عنده بشيء من ذلك ، وإنما هو قد ارتد على أعقابه ، لانطماس بصيرته . بعد أن قارب الرشد والصواب . فالاستفهام في قوله : * ( أَعِنْدَه عِلْمُ الْغَيْبِ . . . ) * للنفي والإنكار .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 65 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 33 .